أعلام القراءات في الأندلس
خَرَّجَتِ الأندلس للمسلمين علماء أجلاء في شتى العلوم، وقد نصبتُ حديثي هذا لعلم القراءات خاصة، فمن الأندلس خرج جماعة من علماء القراءات نفع الله بهم أمة الإسلام فصنفوا المصنفات، ونشروا علمهم في الأقطار حتى أصبح هذا العلم معروفًا بهم، ومنهم ثلاثة أعلام بارك الله لهم في علمهم فأصبحوا منارات يهتدى بها في علم القراءات وهم: مكي بن أبي طالب، وأبو عمرو الداني، وأبو القاسم الشاطبي.
مكي بن أبي طالب:
فأما مكي بن أبي طالب فهو مكي بن حموش بن محمد بن مختار، الإمام أبو محمد القيسي المغربي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المقرئ صاحب التصانيف.
سيرته العلمية:
ولد بالقيروان سنة 355 هـ، وحج فسمع بمكة من أحمد بن فراس وأبي القاسم عبد الله السقطي.
وسمع بالقيروان من أبي محمد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي.
وقرأ القراءات بمصر على أبي الطيب عبد المنعم بن غلبون وابنِه طاهر.
وقرأ قراءة ورش على أبي عدي عبد العزيز بن الإمام، وسمع من محمد بن علي الأذفوي.
آثاره:
ألف التبصرة في القراءات، والكشف عن وجوه القراءات، وله تفسير جليل، وله مشكل إعراب القرآن، والرعاية في التجويد، والموجز في القراءات، وتآليفه تنيف عن ثمانين تأليفًا، توفي سنة 437 هـ.
أبو عمرو الداني:
اسمه عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر، أبو عمرو الداني الأموي مولاهم القرطبي المعروف في زمانه بابن الصيرفي.
سيرته العلمية:
رحل إلى المشرق سنة 397 هـ ودخل مصر في شوال منها فمكث بها سنة، وحج ودخل الأندلس في ذي القعدة سنة 399 هـ، فتنقل بين سرقسطة ثم قرطبة ثم دانية فاستوطنها حتى مات بها سنة 444 هـ.
أخذ القراءات عرضا عن خلف بن إبراهيم بن خاقان، وطاهر بن عبد المنعم بن غلبون، وعبد العزيز بن جعفر الفارسي، وأبي الفتح فارس بن أحمد وأكثر عنه. وروى كتاب السبعة لابن مجاهد سماعا عن أبي مسلم محمد بن أحمد الكاتب بسماعه منه.
آثاره:
من نظر كتب الداني علم مقدار الرجل وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان الفتاح العليم.
ومن كتبه:
جامع البيان في القراءات السبع.
كتاب التيسير ومنظومته الاقتصاد في القراءات السبع.
المقنع في رسم المصاحف.
المحكم في النقط.
الأرجوزة في أصول السنة.
طبقات القراء.
الإمالة والفتح لأبي عمرو بن العلاء.
شرح قصيدة الخاقاني في التجويد.
التحديد في الإتقان والتجويد.
أبو القاسم الشاطبي:
اسمه القاسم بن فِيرُّهْ بن خلف بن أحمد، أبو القاسم وأبو محمد الرعيني الشاطبي الأندلسي الضرير، أحد الأعلام الكبار والمشتهرين في الأقطار.
سيرته العلمية:
قرأ بشاطبة القراءات فأتقنها على النفزي، ثم رحل إلى بلنسية فعرض بها التيسير والقراءات على ابن هذيل، ثم ارتحل للحج فسمع من أبي طاهر السلفي ثم استوطن مصر وتصدر للإقراء بها فقصده الخلائق من الأقطار، اشتهر اسمه وبَعُدَ صيته.
آثاره:
نظم قصيدتيه (حرز الأماني في القراءات السبع)، و(عقيلة أتراب القصائد في الرسم) بمصر، وسارت الركبان بهما، وحفظهما خلق لا يحصون، فلقد أبدع وأوجز، وسهَّل الصعب، وأخلص النية.
فأما القصيدة الشاطبية فقد ابتدأ أولها بالأندلس حتى وصل إلى قوله: جعلت أبا جاد … ثم أكملها بالقاهرة.
قال ابن الجزري: ومن وقف على قصيدتيه علم مقدار ما آتاه الله في ذلك خصوصًا اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها، فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقها، ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد أن أقول: ولا في غير هذا الفن، فإنني لا أحسب أن بلدا من بلاد الإسلام يخلو منه بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة به، وتوفي الشاطبي سنة 590 هـ بالقاهرة رحمه الله.